ابن عجيبة
232
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بعثوا له أهمه ذلك ، واستحيا أن يكلمهم فيه ؛ مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم ، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر ، وأمرهما أن تغنيا به وهما : ألا يا قيل ويحك ، قم ، فهينم * لعلّ اللّه يسقينا الغماما فيسقى أرض عاد ، إنّ عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك ، فقال مرثد : واللّه لا يسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم ، وتبتم إلى اللّه ، سقيتم ، فقالوا لمعاوية : احبسه عنّا ، لا يقدمنّ معنا مكة ؛ فإنه فد اتبع دين هود ، وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة ، فقال قيل : اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم ، فأنشأ اللّه سحابات ثلاثا ؛ بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل ؛ اختر لنفسك ولقومك . فقال : اخترت السوداء ؛ فإنها أكثرهن ماء ، فخرجت إلى عاد من وادي المغيث ، فاستبشروا بها ، وقالوا : هذا عارض ممطرنا ، فجاءتهم ، فيها ريح عقيم ، فأهلكتهم ، روى أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء ، كأنها جراد ، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام ، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا ، ونجا هود والمؤمنون معه ، فأتوا مكة وعبدوا اللّه حتى هلكوا . قاله البيضاوي وغيره . وهاهنا بحث ؛ وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السّلام حسبما في الصحيح ، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها ، وهود كان قبل إبراهيم ، والبيت حينئذ خرب ، كان خربه الطوفان ، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن ؟ . ويمكن الجواب : بأنهم كانوا يلتجئون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان ؛ لأن أول من بناه آدم عليه السّلام فلما خربه الطوفان بقي أثره ، فكانوا يتبركون به ، وفي بعض التواريخ : أن العماليق بنوه قبل إبراهيم ، فكانوا يطوفون به ويتبركون ، ثم هدم ، وبناه بعدهم خليل اللّه إبراهيم . وبهذا - إن صح - يزول الإشكال . واللّه تعالى أعلم . وأما من قال : إن هودا تعدد ، فغير سديد . الإشارة : قد تضمنت موعظة هود عليه السّلام لقومه خصلتين ، بهما النجاة من كل هول وشر ، والفوز بكل خير ، وهما : التوحيد والتقوى ، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهى . فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلى والخفي ، والتقوى : حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية ، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر قصة صالح عليه السّلام ، فقال :